النووي

54

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

الْحَجِّ ، وَكَانَ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ التَّشْرِيقِ قَضَاءً وَإِنْ بَقِيَ الطَّوَافُ ؛ لِأَنَّ تَأَخُّرَهُ بَعِيدٌ فِي الْعَادَةِ ، فَلَا يَقَعُ مُرَادًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ) [ الْبَقَرَةِ : 196 ] هَكَذَا حَكَاهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ . وَفِي « التَّهْذِيبِ » حِكَايَةُ وَجْهٍ ضَعِيفٍ يُنَازَعُ فِيهِ . فَرْعٌ وَأَمَّا السَّبْعَةُ ، فَوَقَتُهَا إِذَا رَجَعَ . وَفِي الْمُرَادِ بِالرُّجُوعِ ، قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : الرُّجُوعُ إِلَى الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي « الْمُخْتَصَرِ » وَحَرْمَلَةُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ الْفَرَاغُ مِنَ الْحَجِّ . فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ ، فَإِنْ تَوَطَّنَ مَكَّةَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْحَجِّ ، صَامَ بِهَا . وَإِنْ لَمْ يَتَوَطَّنْهَا ، لَمْ يَجُزْ صَوْمُهُ بِهَا . وَهَلْ يَجُوزُ فِي الطَّرِيقِ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى وَطَنِهِ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ . الْمَذْهَبُ : لَا يَجُوزُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ . وَالثَّانِي : وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : لَا يَجُوزُ . وَإِذَا قُلْنَا : إِنَّهُ الْفَرَاغُ ، فَلَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى وَطَنِهِ ، جَازَ . وَهَلْ هُوَ أَفْضَلُ ، أَمِ التَّقْدِيمُ ؟ قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : التَّأْخِيرُ أَفْضَلُ ، لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ . وَالثَّانِي : التَّقْدِيمُ مُبَادَرَةً إِلَى الْوَاجِبِ . وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ شَيْءٍ مِنَ السَّبْعَةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهَا قَابِلَةٌ لِلصَّوْمِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : الْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ الْفَرَاغُ ، أَوِ الْوَطَنُ ؛ لِأَنَّهُ بَعْدُ فِي الْحَجِّ ، وَإِنْ حَصَلَ التَّحَلُّلُ . وَحُكِيَ قَوْلٌ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجُوعِ الرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ مِنْ مِنًى . وَجَعَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ هَذَا قَوْلًا سِوَى قَوْلِ الْفَرَاغِ مِنَ الْحَجِّ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ : أَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ . وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ قَوْلًا آخَرَ ، يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ صَحَّ صَوْمُهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ طَوَافُ الْوَدَاعِ .